كيف سيكون شكل المُمارسة الصحية مستقبلاً؟
في غرفة صغيرة بمحطة فضائية تدور فوق زرقة البحر الأبيض المتوسط، يطفو الطبيب مربوطًا بحزام مرن إلى السقف، يضغط زر مضخة المحلول؛ لأن الجاذبية لا تسحب شيئًا، ثم يطرد فقاعات الهواء التي لا تعرف طريقًا إلى الأعلى، ويثبت مسبار الموجات فوق الصوتية داخل قبة شفافة تمنع هروب قطرات الجل التي تتحرك كلآلئ صغيرة في الهواء
يشرح لزميلته، المعلقة بحزام شبيه ويشير إلى مريض مثبت في سرير مائل بزاوية 45 درجة: ترطيب، مغنيسيوم وريدي بجرعة محسوبة، ومراقبة مستمرة تحت ذكاء اصطناعي برمجي يقرأ التخطيط تلقائيًا، وهو برنامج ذكاء اصطناعي يتعلم من كل نبضة، لكن القرار الأخير يظل ليد بشرية تعرف متى تتدخل ومتى تنتظر
يدفع الطبيب نفسه بخفة نحو نافذة القبة، تحته تمر الجزيرة العربية في مشهد مهيب بين البحر الأحمر والخليج العربي، كل شيء من الأعلى يبدو واحدًا، واضحًا، وبلا حدود. يتأمل المشهد قليلاً ثم يدون الملاحظات على لوح مثبت، ويترك رسالة صوتية للفريق الأرضي، ثم يربِّت على كتف المريض مع كلمات لطيفة، ويسبح ماضيًا في طريقه
ما سبق يبدو وكأنه مشهد من فيلم خيال علمي، لكنه في الحقيقة صورة لما يمكن أن نشهده مستقبلاً في الفضاء، مع تسارع الرحلات الفضائية، والنشاط المتزايد لعديد من الدول، لأجل بناء محطات فضائية، سواء حول الأرض أو على القمر والمريخ. في الواقع، إن نطاق "طب الفضاء" قد بدأ بالفعل
بيوجرافيتي
في السنوات الأخيرة، أخذت المملكة العربية السعودية خطوات جريئة في مجال الفضاء، ليس فقط عبر إرسال رواد إلى المدار، بل أيضًا من خلال مشاريع بحثية رائدة قد تغير مستقبل الطب والعلوم الحياتية. ومن أبرز هذه المبادرات مشروع "بيوجرافيتي"، الذي أطلقته وكالة الفضاء السعودية؛ ليكون منصة بحثية تستكشف أسرار الحياة في بيئة تختلف تمامًا عن بيئة الأرض، وهي بيئة الجاذبية الصغرى. حيث تُعد مبادرة الجاذبية الحيوية أول مجتمع علمي متخصص بأبحاث الجاذبية الصغرى، والذي يهدف إلى تمكين العلماء والباحثين من تطوير أبحاث مبتكرة في أبحاث الفضاء
والمقصود بالجاذبية الصغرى هي الحالة التي يعيشها رواد الفضاء في المدار حول الأرض أو أثناء الرحلات الفضائية، حيث تبدو الأشياء وكأنها بلا وزن
ويمتد المشروع إلى صناعة جيل جديد من الباحثين السعوديين؛ حيث يستهدف تدريب كوادر وطنية قادرة على قيادة الأبحاث المستقبلية، من خلال شراكات مع جامعات ومراكز بحثية محلية وعالمية. وبهذا يتحول "بيوجرافيتي" إلى مختبر مفتوح يربط المملكة بالعالم، ويضعها في قلب التنافس العلمي الدولي في هذا النطاق الواعد
الفكرة الأساسية وراء المشروع تبدو بسيطة، لكنها تحمل في طياتها ثورة علمية محتملة. على الأرض، تتحكم الجاذبية في كل خلية وكل عضو من أجسامنا، لكنها في الفضاء تنحسر إلى حدها الأدنى
هذا الانخفاض يفتح نافذة للعلماء لمراقبة الظواهر البيولوجية بعيون جديدة: كيف تنمو الخلايا دون تأثير الجاذبية؟ كيف تتغير بنية العظام؟ وهل يمكن للجهاز المناعي أن يعمل بالكفاءة نفسها في الفضاء؟ ومن ثم نجيب عن سؤال مهم: كيف يمكن لنا أن نكون ممارسين صحيين في هذه الظروف المعقدة؟
نوع مختلف من الطب
ظروف الفضاء قاسية: انعدام الجاذبية، والإشعاع الكوني، وأماكن المعيشة الضيقة، والعزلة عن موارد الأرض
كل من هذه العوامل تغير فسيولوجيا جسم الإنسان، ومن ثم تتغير احتياجات الممارسة الصحية بشكل جذري
مثلاً، للجاذبية الصغرى تأثيرات مباشرة على الجهاز العضلي الهيكلي؛ حيث تفقد العظام كثافتها المعدنية بمعدل سريع عندما لا تكون محملة بالوزن، ونتيجةً لذلك، يزداد خطر الإصابة بالكسور لدى رواد الفضاء، مما يثير التساؤل: إذا كسر رائد فضاء عظمة في الفضاء، فهل ستلتئم بشكل طبيعي؟
تشير الأبحاث، التي أُجريت على الحيوانات والخلايا أن غياب الأحمال على العظام يُعطل عملية التئامها على المستوى الخلوي، وبعيدًا عن الكسور، يعاني رواد الفضاء بشكل متكرر من آلام الظهر، حيث تتمدد أقراص العمود الفقري دون أن تضغط عليها الجاذبية، كما يفقدون العضلات، خاصة في الساقين والظهر
في الفضاء، يتصرف كل جهاز داخلي تقريبًا بشكل مختلف، وتعد التغيرات القلبية الوعائية من أبرز هذه الأمثلة، ففي حالة انعدام الجاذبية، لا يتجمع الدم في الساقين، بل يعاد توزيعه نحو الرأس، ولذلك يصاب رواد الفضاء في البداية بما يسمى بمتلازمة "الوجه المنتفخ والساقين النحيلتين"، ومع مرور الوقت، يتخلص الجسم من بعض هذه السوائل الزائدة، مما يؤدي إلى انخفاض حجم الدم، وتخفيف العبء على القلب
بل ويمكن للقلب- وهو عضو عضلي- أن يتقلص حجمه؛ لأنه لا يحتاج إلى ضخ الدم صعودًا من الساقين كما هو الحال على الأرض
وتتغير وظائف الجهاز الهضمي والأيضي في الفضاء كذلك، فبدون الجاذبية، فإن رواد الفضاء يشعرون بالانتفاخ أو الإمساك، كما يؤدي نقص الجاذبية إلى عدم ارتفاع الغازات في المعدة، بحيث تصبح أفعالًاً طبيعية جدًا؛ مثل "التجشوء" مشكلة طبية في بعض الأحيان
والأخطر من ذلك، أن وظائف الكبد والكلى مختلفة، فهناك زيادة ملحوظة في خطر الإصابة بحصوات الكلى بسبب فقدان المعادن من العظام، فالكالسيوم يترسب في البول، وربما يتبلور متحولًاً إلى حصوات
كما قد تصاب الغدد الصماء باضطرابات، حيث يُظهر بعض رواد الفضاء مقاومة للأنسولين، وإذا كان الشخص مصابًا بداء السكري، فسيكون التحكم في الأنسولين في الفضاء أمرًا معقدًا، فقد يتغير امتصاص الأنسولين، وستطفو كريات الدم على أجهزة قياس سكر الدم إذا لم تعامل بحذر
في الوقت الحالي، يتمتع رواد الفضاء بصحة جيدة للغاية، ويتم استبعاد حالات مثل داء السكري أو ارتفاع ضغط الدم أثناء عملية الاختيار، ولكن مع شيوع السفر إلى الفضاء، قد يكون هناك مسافرون يعانون من أمراض مزمنة تحتاج إلى علاج
مثلًاً، قد يصبح مفهوم إحضار أقلام الأنسولين إلى المريخ أو التحكم في ارتفاع ضغط الدم بكمية محدودة من الملح والأدوية في مستوطنة مريخية أو قمرية حقيقة واقعة
واستعدادًا لذلك، يدرس الباحثون كيفية تحلل الأدوية في الفضاء، فلدى عديد منها مدة صلاحية أقصر بسبب الإشعاع ومشاكل التخزين، وما إذا كانت هناك حاجة لتعديل الجرعات، ويجب عليهم أيضًا مراعاة محدودية الإمدادات، فلا يمكنك الذهاب إلى الصيدلية بسهولة لإعادة التعبئة
كل ما سبق يعني أنه إذا أصبح طب الفضاء مجالًا يُدرَّس على نطاق واسع في الجامعات أو كتخصص مستقل نهائي، فسنكون بحاجة إلى إجراء تغييرات جوهرية في المراجع التي يدرسها الطلاب للحصول على التراخيص؛ إذ ستكون هناك فسيولوجيا خاصة بالفضاء، وتشخيص خاص، وعلم أدوية خاص، لا يتسق مع ما يحدث على كوكب الأرض
الجراحة في الفضاء
ولعل أكثر النطاقات التي ستتطلب ممارسة خاصة جدًا في الفضاء، ومن ثم تدريبًا خاصًا، هي الجراحة. في غرفة العمليات على الأرض، تحافظ الجاذبية على بقاء أعضاء المريض في مكانها نسبيًا
أما في الفضاء، فقد تنجرف الأعضاء الداخلية، وتطفو الأمعاء حرفيًا إذا فتح البطن. ولن يتساقط دم الجرح من على الطاولة، بل قد تتشكل قطرات كروية تتدلى أو تتناثر في جميع الاتجاهات، مسببة فوضى دموية في المقصورة
هذه الحقائق تجعل الجراحة المفتوحة التقليدية محفوفة بالمخاطر في الفضاء. فحتى الآن، لم يحتج أي رائد فضاء إلى جراحة كبرى في المدار، ويعود ذلك جزئيًا إلى الفحص الصحي الدقيق قبل الرحلة، لكن الدراسات تقدر أنه في مهمة فضائية عميقة بطاقم مكون من ستة أو سبعة أفراد، من المرجح أن تحدث حالة جراحية طارئة واحدة على الأقل خلال رحلة استكشافية تستغرق عدة سنوات
وقد يصاب رواد الفضاء بالتهاب الزائدة الدودية، أو نوبات مرارة، أو حتى تمزق في أحد الأعضاء، وهي أحداث تتطلب غرفة عمليات على الأرض، فكيف سيتعامل الجراحون مع حدوث ذلك على بُعد ملايين الكيلومترات من الأرض؟
يستعد باحثو طب الفضاء لهذه السيناريوهات، وقد أثبتت التجارب بالفعل أن الجراحة ممكنة في ظل انعدام الجاذبية، ولكنها ليست سهلة، فقد مارس الجراحون بالفعل إجراءات مثل خياطة الجروح، وإصلاح الأوعية الدموية الصغيرة، وحتى إجراء نوع من الجراحة بالمنظار، في حيوانات التجارب في أماكن مثل محطة الفضاء الدولية
وأدت هذه الاختبارات إلى ابتكارات ذكية؛ حيث يمكن مغنطة الأدوات الجراحية بحيث تلتصق بالصواني بدلًاً من الانجراف، وتبين أنه يجب ربط كل من المريض والجراح رائد الفضاء بأحزمة أو أربطة، لتثبيتهما أثناء الجراحات الدقيقة
طبعًا، ستتغير الجراحات نفسها؛ إذ ستعتمد أساسًا على الجراحات بالمنظار والدخول إلى الجسم عبر منافذ صغيرة، وهو ما يمنع الأعضاء من الطفو بحرية ويحدُّ من تسرب الدم إلى المقصورة. بل إن فريقًا بحثيًا أجرى، في إحدى التجارب الحديثة، محاكاة ناجحة للسيطرة على نزيف بطني خلال رحلة في حالة انعدام الجاذبية، وذلك من خلال شقوق صغيرة في الجسم
في هذا السياق، ابتكر الباحثون حاويات جراحية تعمل كغرف عمليات قابلة للنفخ على شكل فقاعات، واختبرت قباب بلاستيكية شفافة مزودة بمنافذ للذراعين يمكنها تغطية جذع المريض؛ مما يمنع قطرات الدم من التسرب وتلويث المركبة الفضائية
إلى جانب ذلك، يتوقع تطوير نظم جراحة روبوتية للاستخدام في ظروف الفضاء؛ حيث يمكن للجراحين على الأرض التحكم في هذا الروبوت ثنائي الذراعين عن بعد، أو حتى تشغيله بشكل مستقل ومعتمد على الذكاء الاصطناعي، لإجراء المهام الجراحية
وتقدم الجراحة الروبوتية حلًا واعدًا لطب الفضاء، فالروبوت لا يتعب، ولا يتعرض للتوتر العاطفي، ويمكنه العمل في أماكن ضيقة
في الواقع، فإن الأمر ليس حلمًا، فقد أرسل مؤخرًا جراح روبوتي صغير يدعى "ميرا" طُوِّر في جامعة نبراسكا الأمريكية، إلى محطة الفضاء الدولية لإجراء اختبارات. يمتلك ميرا ذراعين صغيرتين مزودتين بمقبض ومقص، مصممتين لتمريرهما عبر شق صغير
في أوائل عام 2024، اختبر رواد الفضاء "ميرا" من خلال السماح له بقطع أنسجة محاكاة (أشرطة مطاطية)، والتعامل معها داخل كبسولة تجريبية. والهدف هو إمكانية إدخال روبوت كهذا في بطن رائد فضاء لإجراء عملية جراحية طارئة، بتوجيه فوري من جراح على الأرض عبر نظام تشغيل عن بُعد
ومع ذلك، يتمثل أحد التحديات في بطء الاتصال، فبالنسبة لروبوت على المريخ، قد تستغرق الإشارات من وإلى الأرض 20 دقيقة في كل اتجاه؛ مما يجعل الجراحة المباشرة عن بُعد غير عملية. لذلك، يعمل المهندسون على بناء روبوتات شبه ذاتية التحكم قادرة على إجراء العمليات الجراحية بمفردها بعد تلقي تعليمات عالية المستوى
كيف سيكون شكل المهن الصحية في المستقبل؟
سيكون المُمارس الصحي في المستقبل مزيجًا من المُمارس الصحي، ورائد الفضاء، والعالم، والمهندس
على عكس الأرض؛ حيث يمكن للممارس الصحي إحالة مريض إلى أخصائيين مختلفين أو استدعاء فريق طبي، قد يكون الطبيب في الفضاء هو الطبيب الوحيد، وسواء كان طبيبًا باطنيًا أو جراحًا أو طبيب عظام فسيحتاج طبيب الفضاء إلى تدريب متعدد التخصصات، ويجب أن يكون قادرًا على إجراء خلع أسنان، وجبر كسر عظم، وخياطة تمزق، وإدارة حالة مرض معين، كل ذلك في الأسبوع نفسه
وربما يحتاج عديد من أطباء الفضاء إلى شهادات أو خلفيات مزدوجة؛ مثل أطباء الطوارئ الحاصلين على درجة الدكتوراه في الهندسة أو الجراحين الذين يعملون أيضا كطيارين، وفي هذا السياق ستكون مهارة الطيران أساسية، لعدد محدد من الساعات، قبل أن يسمح له بأن يكون رائد فضاء
حاليًا، تقدم بعض المؤسسات (مثل مركز بايلور لطب الفضاء أو جامعة تكساس في برونزويك) برامج طب الفضاء الجوي التي تغطي كل شيء، من فسيولوجيا الجاذبية الصفرية إلى التدريب العملي في بيئات تناظرية
المصادر
كيف يتغير الجسد في الفضاء – كلية بايلور للطب: عرض موجز لتحولات العضلات والعظام والسوائل عند غياب الجاذبية، حيث يتحول الجسد إلى تجربة علمية مفتوحة
الرعاية الصحية في المدار – وكالة الفضاء الأميركية: كيف يحافظ رواد الفضاء على صحتهم عبر التمارين الصارمة والاستعداد الطبي الدائم بعيدًا عن الأرض
الجراحة في انعدام الوزن – دراسة مهمة المكوك الفضائي إس تي إس-90 (2005): تجربة أثبتت أن العمليات الجراحية ممكنة حتى في بيئة الفضاء
الجراحة المجهرية في المدار – مجلة الجراحة المجهرية (2005): بحث يُظهر أن الدقة الجراحية يمكن أن تتأقلم مع انعدام الجاذبية
الروبوت الجراح في محطة الفضاء الدولية – موقع أخبار الفضاء: اختبار أولي لروبوت جراحي يعمل في المدار تمهيدًا لجراحات تُجرى عن بُعد
تقنية ميرا الجراحية – شركة فيرتشوال إنسيجن: روبوت جراحي مصغّر يُختبر في الفضاء لتوسيع حدود غرفة العمليات
صعود الطب الفضائي – رابطة كليات الطب الأميركية: مجال ناشئ يعيد تعريف الابتكار الطبي بين الأرض والفضاء
برنامج كوزموس للتدريب – جامعة تكساس: مبادرة لتأهيل جيل جديد من أطباء الطوارئ للتعامل مع تحديات الطب خارج الغلاف الجوي