الخيال العلمي الطبي
صراع بين المُمارس الصحي والخوارزميات

في رواية "العزل العنصري" الصادرة في ستينيات القرن الفائت، يصور إسحق عظيموف مستقبلاً أصبحت الحدود بين البشر والروبوتات غير واضحة، فالبشر يستخدمون أطرافًا اصطناعية روبوتية، بينما الروبوتات تستخدم أعضاءً مصنعة، بما في ذلك القلوب والجلود
في هذا العالم المستقبلي، نشهد حوارًا بين مريض يحتاج إلى عملية زرع قلب، يظهر تحاملًا واضحًا ضد البشر، حيث يرى أن الأعضاء المعدنية أقوى وأفضل من العضوية، أما الجراح فيدافع عن القلب العضوي، ومن هنا تنطلق الأحداث، التي تحمل في طياتها عمقًا فلسفيا عن التمييز بين البشر، وما يعني أن تكون إنسانًا، ثم تذهب نحو نهاية مفاجئة
طب اليوم.. خيال الماضي
على الجانب الآخر، ذهب كاتب الخيال العلمي آرثر سي. كلارك إلى أبعد من ذلك في تصوره للطب عن بُعد، ففي رواية "الأرض الإمبراطورية" الصادرة سنة 1975، يُجري جراحٌ في أحد طرفي العالم عمليةً جراحيةً عبر روبوتاتٍ متصلةٍ بشبكةٍ على مريضٍ في الطرف الآخر من الكرة الأرضية، وقد أشار كلارك بذكاءٍ إلى أن تأخر الإشارة حتى نصف ثانية قد يكون قاتلاً
في الواقع، تنبأ كلارك عام 1964 بأنه "قد يكون لدينا يومًا ما جراحو أعصاب في إدنبرة يُجرون عملياتٍ جراحيةً على مرضى في نيوزيلندا"، وهذا التنبؤ كان في الستينات ونحن نجده الآن في تم تطبيقه على أرض الواقع
استبقت هذه القصص جوانب مهمة للطب المعاصر، فمثلاً يعمل الأطباء والمهندسون اليوم على بناء أطراف متقدمة مثل الذراع أو الساق، تُصمَّم لتقلد الأطراف الحقيقية في الشكل والوظيفة، حيث تعمل بالطاقة الكهربائية وتدار بأنظمة روبوتية، وأكثرها تطورًا يتحكم به عن طريق الإشارات العصبية أو حتى نشاط الدماغ
ومثلاً باتت الأذرع تتمكن من تنفيذ حركات دقيقة، ويستخدمها جنود مبتورو الأطراف، أما الأرجل من شركات مثل أوتوبوك فتستجيب للإشارات العصبية وتتأقلم مع المشي أو الجري، هذا ولم نتحدث بعد عن الثورة الحاصلة في الأجهزة التعويضية في نطاقات علاج العمى والصمم
أما أنظمة الرعاية الصحية عن بُعد فباتت جزء رئيسي من المنظومة الصحية اليوم، وفي أبسط الصور يمكن أن قد يُقدّم ممرض أو أخصائي رعاية صحية خدمات التطبيب عن بُعد من عيادة طبية أو عربة متنقلة، ومن ثم يسهل الحصول على الرعاية الصحية للأشخاص الذين يعيشون في مجتمعات نائية أو في الريف
أما رواية "الرحلة الرائعة" لكاتب الخيال العلمي إسحاق عظيموف فقد استشرفت عالم اليوم ببراعة، تحدث الرواية في زمن الحرب الباردة، حيث هرب عالم سوفييتي بارع إلى الغرب وفي دماغه معلومات سرية، وهناك يُصاب في رأسه بجلطة خطيرة تهدد حياته، ولا يمكن علاجه بالجراحة العادية دون أن يموت، لكن لدى الولايات المتحدة تكنولوجيا سرّية، وهي تقنية تصغر البشر والأشياء
وتبدأ الخطة، حيث يتم تصغير طاقم من العلماء والأطباء وغواصة مجهرية إلى حجم خلية دم، ثم يُحقنون داخل دم المريض ويبدأون رحلتهم للوصول إلى الدماغ وإزالة الجلطة، ولديهم 60 دقيقة فقط قبل أن يعودوا إلى الحجم الطبيعي، ما يعني أن أي تأخير سيكون قاتلًا
بالطبع فإن تقليص حجم البشر يعد محض خيال، إلا أن الروبوتات النانوية التجريبية اليوم، والتي تهدف إلى اصطياد الأورام أو توصيل الأدوية، تمتلك لا شك جذورًا في مثل هذه الأفكار الخيالية، حاليًا يعمل العلماء على تطوير كبسولات نانوية، تبتلعها مثل أية كبسولة

نقاشات أخلاقية
لكن روايات الخيال العلمي لم تتحدث فقط عن مستقبل الطب، بل خاضت أعمق النقاشات الأخلاقية في عالم الطب قبل أن تبدأ بعقود، ومثلا كان ألدوس هكسلي في روايته "عالم جديد شجاع" الصادرة قبل نحو قرن من الآن عام 1932 متقدمًا بعقود في التنبؤ بتكنولوجيا الإنجاب والهندسة الوراثية، لقد تخيل عالمًا في القرن السادس والعشرين، ينشأ فيه الأطفال في أرحام اصطناعية، ويُقدّر لهم ذكاء وأدوار اجتماعية معينة، وفي سياق ذلك يقضى على الأمراض والشيخوخة
تعكس هذه الرؤية المستقبلية نقاشات أخلاقية لا تزال حية حتى اليوم، حيث يعد التلقيح الصناعي، واختيار الأجنة، وتعديل الجينات عبر تقنية كريسبر، خطوات أولى نحو إنتاج أطفال مصممين وراثيًا، إلا أن رواية هكسلي تظل بمثابة تحذير صارخ من الثمن الذي قد ندفعه، وهو فقدان الفرد لحرية الاختيار، وتآكل التنوع الإنساني، تحت شعار السعي نحو الصحة والكمال البيولوجي المُهندس
العديد من أعمال الخيال العلمي تناقش هذا النوع من الأسئلة، فمثلا تصور رواية كازو إيشيغورو "لا تدعني أرحل" في عام 2005 عالمًا بائسًا في المستقبل القريب، حيث تربى مستنسخات بشرية فقط لجني أعضائها لصالح النخبة المريضة، ويواجه أبطال الرواية المستنسخون حقيقة مؤلمة، وهي أن حياتهم قدرت سلفًا كمجرد وسيلة لتحقيق غاية
تواجهنا هذه القصة بأسئلة عميقة حول قيمة الحياة، وعواقب الابتكار العلمي، فالمستنسخين يتمتعون بمشاعر إنسانية كاملة، ومع ذلك يضحى بهم من أجل الآخرين
تسلط هذه القصص التحذيرية الضوء على المخاوف من أن التقدم الطبي قد يغري المجتمعات بالظلم وهو موضوع ليس مستبعدًا حينما نتحدث عن تكافؤ فرص الحصول على الرعاية الصحية، حيث ترسم العديد من روايات الخيال العلمي تناقضات حادة في الطب المستقبلي
الذكاء الاصطناعي
بالإضافة إلى ما سبق، يتناول الخيال العلمي باستمرار العلاقة المتغيرة بين الممارس الصحي والمرضى والتكنولوجيا، فمع دخول الذكاء الاصطناعي والأتمتة إلى عالم الطب، ماذا سيحدث للمسة الإنسانية؟
قدم مؤلفو الخيال العلمي سيناريوهات متفائلة وأخرى تحذيرية. بعض القصص، مثل حكايات إسحاق عظيموف عن الروبوتات، تُلمّح إلى أن الآلات الرحيمة (التي تسترشد بقوانين عظيموف الثلاثة الشهيرة للروبوتات) قادرة على رعاية البشر بدقة متناهية ودون إرهاق
بشكل عام يميل فريق من كتاب الخيال العلمي إلى رسم مستقبل يكون الممارس الصحي فيه برنامج لا ينام، روبوت ناطق أو هولوغرام تفاعلي (مثل "الطبيب الطارئ" في روايات وأفلام ستارتريك)، أو ذكاء اصطناعي فائق يتصل بمستشعرات في جسدك ويراقبك لحظة بلحظة
في روايات أخرى لا تحتاج إلى الذهاب للمستشفى، فجسدك نفسه مزروع فيه أجهزة نانوية تتعرّف على المرض وتبدأ العلاج فورًا عبر الذكاء الاصطناعي، كما أن هاتفك أو سوارك الذكي يراقب كل وظائفك الحيوية ويقترح تغييرات غذائية أو دوائية قبل أن تشعر بالألم. ومن هنا فإن العلاج لم يعد استجابة للمرض، بل وقاية مستمرة وذكية
أخطاء الذكاء الاصطناعي حاضرة بقوة في الخيال العلمي بشكل عام، فمثلا في قصة "الصراع الحتمي" لإسحق عظيموف، تنقسم الأرض إلى أربع مناطق كبرى تُدار إداريًا من قبل مجالس إقليمية، ولكن كل شيء، من الاقتصاد إلى الصحة، تتحكم فيه آلات عملاقة (ذكاء اصطناعي). هذه "الآلات" هي أنظمة حوسبة فائقة الذكاء تم تطويرها لتُدير العالم بطريقة منطقية وعادلة، وتُقرر ما هو الأفضل للبشرية
في سياق قصص كهذه، يظل هناك نقاش عميق حول ما إذا كانت هناك حاجة للتحكم الدائم في خيارات الذكاء الاصطناعي بشكل عام، وينطبق ذلك على الطب أيضًا، ويمتد الأمر لأسئلة أعمق، فمثلا إذا كانت الآلة تعرف كل شيء عنك، عن صحتك ومرضك، ومن ثم فإنها تُقرّر ما يصلح لك دون أن تسألك، فهل ما زال جسدك "شأنك الخاص"؟ أم أنك أصبحت "بيانات" داخل نظام أكبر منك؟
إن قصص الخيال العلمي أعمق من مجرد أداة لاستشراف المستقبل بشكل تقني بحت، بل إن جزء كبير من أهميته تنبع من الأسئلة التي يطرحها في هذه الشؤون
المصادر
موقع ويفولفر – «ذراع ديكا البيونية» – عرض تقني حول خصائص الذراع الصناعية المتقدمة وآليات التحكم العصبي والحركي فيها
شركة أوتو بوك – «الأطراف الصناعية السفلية» – صفحة تعريفية تستعرض تقنيات الأطراف التعويضية الحديثة وحلول الحركة المتقدمة
مايو كلينك – «الطب عن بُعد» – تقرير توعوي يشرح مفهوم الرعاية الصحية الرقمية وتطور خدمات الاستشارة الطبية عن بُعد
دراسة منشورة في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب – بحث علمي حول التحول الرقمي في الرعاية الصحية وتحديات دمج التكنولوجيا في الممارسة الطبية
منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) – «التوصية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي» – وثيقة دولية تضع إطارًا أخلاقيًا لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي
مقال علمي في مجلة «أدفانسد ساينس» – دراسة بحثية حول الابتكارات الحيوية المتقدمة ودمج الذكاء الاصطناعي في التقنيات الطبية الحديثة