يُعد البروفيسور ميشيل سادلين أحد أبرز الأسماء العالمية في الطب الحديث، ومن الروَّاد الذين أسهموا في إحداث تحول جذري في علاج السرطان عبر تسخير قوة الجهاز المناعي. وُلد في فرنسا، وبدأ رحلته الطبية بالحصول على شهادة الطب من جامعة باريس، قبل أن ينتقل إلى كندا؛ حيث تخصَّص في علم المناعة، ونال درجة الدكتوراه. وفي مرحلة لاحقة، التحق بمعهد ماساتشوستس للتقنية؛ حيث تعمَّق اهتمامه بالهندسة الوراثية، وهو المسار الذي قاده لاحقًا إلى تطوير علاجات مبتكرة، وهو ما تُوِّج بحصوله على جائزة الملك فيصل في الطب عام 2025؛ تقديرًا لإسهاماته الرائدة في تطوير العلاج بالخلايا التائية المعدلة وراثيًا

 

 

في نيويورك، أسس مختبره البحثي الأول في مركز متخصص لعلاج السرطان، وكرَّس جهوده لتطوير تقنيات هندسة الخلايا التائية، التي مكَّنت هذه الخلايا من التعرُّف إلى الخلايا السرطانية ومهاجمتها بدقة. وقد تُوِّج هذا العمل بإطلاق أولى التجارب السريرية على المرضى عام 2007، ثم بالحصول على الموافقة الرسمية لهذا النوع من العلاج في عام 2017، ليدخل بعدها حيز الاستخدام الواسع حول العالم

 

 

لقد استفاد عشرات الآلاف من المرضى من هذا العلاج المبتكر؛ ففي المملكة العربية السعودية، بدأ مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في تقديم علاج الخلايا التائية المعدلة وراثيًا للمرضى منذ عام 2020 ، ليكون من أوائل المراكز في المنطقة التي توفِّر هذا العلاج المتقدم، كما أدرجت برامج علاج الخلايا التائية المعدلة وراثيًا ضمن الخدمات العلاجية في مستشفى الحرس الوطني

 

في هذا الحوار، نطرح على البروفيسور ميشيل سادلين مجموعة من الأسئلة التي تسلِّط الضوء على بدايات الفكرة، والتحديات العلمية، ودور الممارس الصحي في الابتكار، ورؤيته لمستقبل العلاج المناعي في العقود القادمة

 

 

أهلاً بك دكتور سادلين، كيف نشأت فكرة استخدام الخلايا التائية المعدلة وراثيًا في أبحاثك؟ ومتى أدركت أن هذا المفهوم قد يُحدث تحولًا جذريًا في علاج السرطان؟

خلال دراساتي للدكتوراه في علم المناعة في كندا، بدأت أُدرك محدودية قدرة جهاز المناعة البشري على محاربة السرطان. عندها بدأت أفكر بأنه بدلًا من محاولة تحفيز بعض الخلايا المناعية عبر اللقاحات، ينبغي لنا «تثقيف» الخلايا التائية نفسها. وهذا التعليم لا بد أن يكون على هيئة تعليمات وراثية تُدرج في الخلية التائية، فتُخبرها بأي جزيء يجب أن تتعرَّف، وعلى أية خلايا ينبغي أن تُوجَّه عملية القضاء

ما أبرز التحديات التي واجهتك في المراحل الأولى من تطوير العلاج، وما العقبة الأهم التي تمكَّنت من تجاوزها؟

لم يكن هذا المفهوم مُرَحَّبًا به في بداياته؛ إذ كان علماء المناعة والأورام يفضِّلون الأدوية واللقاحات والأجسام المضادة كوسائل علاجية، أما استخدام الخلايا في العلاج فكان يثير المخاوف. كما أن الفكرة اعتمدت على مستقبلات صناعية، أطلقنا عليها اسم المستقبلات الكيميرية، بدلًا من المستقبلات الطبيعية، إضافة إلى اعتمادها على الهندسة الوراثية، التي كانت تثير مخاوف لدى البعض في ذلك الوقت، رغم أنها اليوم أصبحت مقبولة وشائعة على نطاق واسع

 

هناك الكثير من الأفكار الرائدة تبقى حبيسة المختبرات. كيف نجحت في نقل العلاج من البحث التجريبي إلى التطبيق السريري؟

عندما أثبتنا فعالية هندسة الخلايا التائية البشرية وإمكاناتها في علاج السرطان في نماذج حيوانية من خلال دراسة محورية نُشرت عام 2003، أدركنا أن هذا النهج يجب أن يُختبر على المرضى. في ذلك الوقت لم تكن هناك شركات مهتمة بتبنِّي هذه الفكرة، فاضطررنا إلى تنفيذها بأنفسنا. كنت محظوظًا بوجود فريق بحثي شغوف، وبالتعاون مع الدكتورة إيزابيل ريفيير، استطعنا تطوير عملية حظيت بموافقة الجهات التنظيمية، وأدَّت إلى إطلاق أول تجربة سريرية، وقد تم إعطاء أول مريض هذا العلاج في يونيو 2007

 

 

كيف أسهمت أبحاثك وإنجازاتك في خدمة البشرية؟ وأين نراها في حياتنا اليومية؟

إن الخلايا التائية المعدَّلة وراثيًا أحدثت استجابات مذهلة لدى مرضى يعانون من سرطانات دموية مقاومة لجميع العلاجات السابقة. وهؤلاء المرضى كانوا في حكم من لا أمل لهم في النجاة. والمثير أن جرعة واحدة من هذه الخلايا نجحت في القضاء على معظم الخلايا السرطانية لدى عدد كبير من المرضى، وبعضهم شُفي تمامًا دون الحاجة إلى علاج إضافي. ولهذا أطلقتُ عليها اسم أدوية حيَّة؛ لأنها تعيش داخل جسم المريض، وتواصل محاربة السرطان لأسابيع أو أشهر. ومؤخرًا، بدأ استخدام هذا النهج أيضًا في علاج أمراض المناعة الذاتية مُحققًا نتائج واعدة للغاية

 

بصفتك باحثًا وطبيبًا في آنٍ واحد، متى تعلَّمت أن تكون طبيبًا مبتكرًا؟ وكيف يمكن للممارسين الصحيين الموازنة بين العمل السريري والبحث العلمي، رغم صعوبة هذا المسار؟

الطب مهنة جميلة ومتعددة الأبعاد، تمتدُّ من طب الأسرة إلى الرعاية داخل المستشفيات، وصولًا إلى البحث المخبري. جميع هذه الأدوار مهمة. كنت أستمتع برعاية المرضى، لكنني كنت أكثر انجذابًا إلى البحث العلمي، أي ابتكار طب الغد. البحث الطبي ليس مسارًا سهلًا، لكنه شديد الثراء من الناحية الفكرية

غالبًا ما يُنظر إلى الباحثين والممارسين الصحيين كعالمين منفصلين. من وجهة نظرك، كيف يمكن للأطباء في المستشفيات الإسهام في الابتكار حتى وإن لم يكونوا باحثين متفرغين؟

يؤدي الأطباء- والممارسون الصحيون عمومًا- دورًا محوريًا في تطوير العلاجات الجديدة. فهم يتولَّون رعاية أول المرضى الذين يتلقُّون هذه العلاجات، ويراقبون الآثار الجانبية أو السميَّة التي قد لا تكون متوقعة بالكامل من الدراسات ما قبل السريرية. كما يلاحظون أي المرضى يستجيبون للعلاج، وأيهم لا يستجيبون، وهو أمر بالغ الأهمية لتحسين العلاج وتطوير أجيال لاحقة منه. إضافة إلى ذلك، يستطيع الباحثون مقارنة العلاجات المتاحة وتحديد الأنسب لكل مريض

 

ما النصيحة التي توجِّهها للممارسين الصحيين والذين لديهم شغف بالبحث العلمي الطبي؟

أن يكتسبوا انضباطًا علميًا صارمًا، وأن يدمجوا التقنيات الناشئة في أبحاثهم، وأن يركِّزوا على الأسئلة الكبرى، وألا يغفلوا أبدًا الهدف النهائي، وهو خدمة الإنسان

 

أخيرًا، كيف تحب أن يُنظر إلى إرثك العلمي بعد عشرين أو ثلاثين عامًا؟ وما الرسالة التي تود توجيهها للجيل القادم من المبتكرين في القطاع الصحي؟

لقد أسهمنا في إدخال مفهوم «المناعة المُهندسة» إلى الممارسة السريرية، اعتمادًا على الهندسة الوراثية والمستقبلات الصناعية. هذا النهج يفتح آفاقًا واسعة لتعليم خلايا المناعة كيفية علاج السرطان، وربما الشفاء منه، إضافة إلى أمراض المناعة الذاتية وغيرها، مثل العدوى المستعصية أو تحديات زراعة الأعضاء التي كانت تُعد سابقًا غير قابلة للحل

 

ولطالما كان الابتكار في البحث والممارسة السريرية شغفًا لدى الممارس الصحي. واليوم نمتلك أدوات مذهلة، من تقنيات التحليل الجزيئي المتقدم إلى التصوير والذكاء الاصطناعي والعلاجات الخلوية. هذه الأدوات تبشِّر بتسارع غير مسبوق في الاكتشافات الطبية خلال السنوات القادمة، وهو أمر يدعو إلى الحماسة والتفاؤل

 

اضغط هنا للاستزادة