ربما قد تندهش حينما تعرف أن مجتمع الصم والبكم ينظر إلى الصمم بوصفه جزءًا أساسيًا من هُوِيَّتِه، وليس مجرد خلل يحتاج إلى إصلاح. بالنسبة لهم، فإن فقدان السمع ليس عائقًا أو "مشكلة" تحتاج إلى حل، بل هو أمر طبيعي نشأوا عليه منذ ولادتهم داخل مجتمع كامل تكيَّف مع الصمم
سوف نحاول في ملف هذا العدد أن نعطي الممارس الصحي فكرة عن حاجتنا لفهم هذا المجتمع، من أجل التعامل معه بشكل يحقق الفائدة الصحية؛ حيث تُظهر الأبحاث أن نتائجهم الصحية تكون أسوأ مقارنةً بالأشخاص الأصحاء، ويعود ذلك بشكل كبير إلى حواجز التواصل واللغة في الأوساط الطبية
فعندما لا يتمكن مقدمو الخدمة الصحية من التواصل بفعالية مع المرضى، قد تُفقد معلومات مهمة، ويتأثر فهم المريض. في المقابل، تشير الدراسات إلى أن تحسين إمكانية التواصل يؤدي إلى تحسين الاستفادة من الرعاية الوقائية، وزيادة رضا المرضى، وتحسين النتائج الصحية العامة للمرضى الصم
إن عديدًا من الصم والبكم يتواصلون بشكل أساسي عبر لغة الإشارة، وهذه اللغة لها قواعدها وفروقها اللغوية الخاصة، والتي تختلف عن اللغات المنطوقة أو المكتوبة. ولقد أظهرت دراسة سعودية حديثة أن الممارسين الصحيين لديهم وعي بأهمية امتلاك أساسيات لغة الإشارة للتواصل مع المرضى الصُم، حيث إنه أثر مباشر في تحسين جودة الرعاية وسلامة المرضى. وأظهرت الدراسة نفسها أن 6٪ من الممارسين الصحيين فقط قد تلقوا تدريبًا رسميًا على لغة الإشارة
وفي هذا السياق، ليس جميع مرضى الصم أو ضعاف السمع متماثلين، فهم يختلفون في درجة سمعهم، وقدرتهم على قراءة الشفاه أو الكلام، وتفضيلهم لطريقة التواصل. على سبيل المثال، قد يتقن أحد المرضى لغة الإشارة، ولا يستخدم الصوت على الإطلاق، بينما قد يفضل آخر التواصل الكتابي أو لديه بعض السمع المتبقي بمساعدة الأجهزة
ومن ثم فإنك أثناء التعامل معهم، تكون بحاجة لسؤالهم عن طريقتهم المفضلة للتواصل، وهذا لا يسهل التواصل فقط، بل يعطي فرصة لكي يفهم المريض من مجتمع الصم والبكم أنك تحترمه، ومن خلال فهم هذه التفضيلات الشخصية، وفهم المنظور الثقافي الشامل للصم، يمكن للممارسين الصحيين تجنب سوء الفهم، وتقديم رعاية أكثر تركيزًا على المريض
------------------------
إستراتيجيات مختلفة للتواصل
يعد الترتيب لوجود مترجمين محترفين للغة الإشارة يمتلكون القدرة على فهم الاصطلاحات الطبية مهمًا، وإن لم يكن هناك مترجم فيفضل التواصل مع أحد الأقرباء من الدرجة الأولى مثلاً، ولكن في هذا السياق قد يغفل الممارس الصحي نقطة مهمة، وهي أن يخاطب المريض مباشرةً، ويحافظ على التواصل البصري مع المريض لا إلى المترجم نفسه
كممارس صحي، يجب أن تنظر إلى المريض، وتستخدم ضمير المتكلم كما تفعل عادةً، هذا يُبقي المريض منشغلاً، ويُحترم بصفته صانع القرار في رعايته، وليس تابعًا للمترجم، أو أحد أفراد الأسرة إن اضطررت لذلك. تساعد لغة الجسد هذه على بناء علاقة وطيدة، كما تسمح للمريض بفهم إشارات الوجه
وبالمثل، إذا كنت بحاجة إلى إعادة دخول الغرفة أو بدء الحديث بعد توقف، فتأكد من أن المريض يراقبك، ولا تفترض أبدًا أن الشخص الأصم سيسمعك، وتأكد دائمًا من التواصل البصري قبل التحدث
وحينما تواجه المريض، تأكد من أن وجهك واضح؛ حيث يعتمد عديد من المرضى الصم أو ضعاف السمع على قراءة الشفاه والإشارات البصرية. ومن ثم انتبه لإجراء المحادثة في منطقة مضاءة جيدًا؛ بحيث يمكن رؤية ملامح وجهك وشفتيك وحركات يديك بوضوح، ولكن تجنب وجود ضوء ساطع أو نافذة خلفك مباشرةً؛ فقد يؤدي ذلك إلى تشتيت المريض
وفي أثناء ذلك كله، احرص على أن يكون فمك واضحًا تمامًا للمريض، فإذا كنت ترتدي كمامة، وكان من الممكن خلعها أثناء التواصل، فافعل ذلك، أو استبدلها بكمامة شفافة ليبقى فمك مرئيًا. وتجنب كذلك تغطية فمك بيديك أو أقلامك أو تقارير الأشعة أثناء التحدث
----------------
حتى الإيماءات
هناك نقطة إضافية بالغة الأهمية قد تُشعر مرضى الصمِّ والبكم بالحرج؛ إذ قد يتعامل معهم البعض وكأنهم بحاجة إلى تعليم، فيبالغون في رفع الصوت أو إبطاء النطق، أو يلوِّحون بإشارات مبالغ فيها. غير أن هذا الأسلوب غير صحيح، وقد يربكهم أو يحرجهم، مما يعيق عملية التواصل
الحل أن تتحدث بوضوح، وبوتيرة ومستوى صوت طبيعيين، لا تصرخ أو تُبالغ في النطق، فالتحدث بصوت أعلى لن يُحسِّن فهم المريض، كما أن الصراخ قد يُشوِّه الصوت لمن يستخدمون المعينات السمعية
ولكن فقط، بسط المفاهيم قدر الإمكان، وتجنَّب المصطلحات الطبية المتخصصة، وتوقَّف بين العبارات الرئيسة لفترة بسيطة لتسهيل الترجمة والفهم. وإذا كان المريض يسمع قليلاً باستخدام المعينات السمعية، فضع في اعتبارك أن المعينات السمعية تُضخِّم جميع الأصوات، لذا قلِّل من ضوضاء الخلفية، وتحدث بنبرة واضحة ومعتدلة لتجنب إرهاقه
وإذا كان لا بد من استخدام مصطلح تقني، فاحرص على تخصيص وقت كافٍ لشرحه بأسلوب مبسط ويومي. كما أن استخدام الجمل القصيرة يُسهم في زيادة وضوح المعنى. تذكَّر أن اللغة العربية، سواء المكتوبة أو المنطوقة، تُعدُّ لغة ثانية لدى كثير من الصم، في حين أن لغة الإشارة هي لغتهم الأولى؛ ومن ثم فإن الوضوح والبساطة يعدَّان عنصرين أساسيين لضمان الفهم
أما التواصل غير اللفظي (الإيماءات)، فهو قيِّم للغاية، أشر إلى أجزاء الجسم عند مناقشتها، فمثلا إذا قلت "كبد"، فأشر إلى جانبك الأيمن، وإذا كنت تتحدث عن حقنة في الذراع، فأشر إلى مكانها
-------------------
كل شيء
يمتد ما سبق ليشمل كل ما قد تراه بديهيًا؛ فالمشتتات البصرية، مثل كثرة الحركة أو الفوضى في الخلفية، قد تُصعِّب على المريض التركيز على متابعة لغة الإشارة أو قراءة الشفاه. وإذا وُجد أكثر من شخص في الغرفة، فاحرصوا على التناوب في الحديث واحدًا تلو الآخر، وتجنبوا المقاطعة
لا يستطيع الأصم متابعة عدة أشخاص يتحدثون في آن واحد، ومن ثم سيساعد اتباع نهج واضح لتبادل الأدوار، وربما الإشارة بلطف عند بدء الحديث، على متابعة المحادثة، وفي كل مرة تأكد من أن المريض ينظر إلى المتحدث التالي قبل أن يتحدث
ومع كل تلك الجهود، قد يحدث سوء فهم رغم بذل الجميع قصارى طاقتهم؛ لذا من الضروري التحقق بشكل متكرر من مدى فهم المريض. ولا تكتفِ بطرح سؤال مباشر مثل: "هل فهمت؟"؛ إذ قد يكتفي المريض بإيماءة مجاملة بدافع الخجل، بل الأفضل استخدام أساليب عملية، كأن تطلب منه شرح طريقة تناول الدواء. على سبيل المثال، يمكنك أن تقول: "هل يمكنك أن تبيَّن لي كيف ستستخدم جهاز الاستنشاق هذا، لأتأكد من أنني أوضحت الأمر بشكل صحيح؟". فبهذا النهج يمكن اكتشاف أي سوء فهم وتصحيحه على الفور
في النهاية، يقع على عاتق مقدم الخدمة الصحية مهمة التعمق في الموضوع بلطف والتأكد من فهمه جيدًا، وهنا يمكن طرح الأسئلة التشجيعية بطريقة مطمئنة، مثلا: "لا بأس إذا كان هناك شيء غير واضح"، و أريد التأكد من أنني شرحته بشكل صحيح
----------------
مبادرات نوعية
ظهرت في السنوات الأخيرة مبادرات نوعية لدعم ذوي الإعاقة السمعية؛ مثل تطبيق مواءمة الذي يتيح الاتصال بمترجم لغة الإشارة، مما يمكِّن الممارس الصحي من الاستعانة به عند الحاجة. كما طُبقت في أستراليا تجربة رائدة لتطوير معاجم طبية تفاعلية لمجتمع الصم، تهدف إلى توحيد المصطلحات الطبية وتحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة لهم. وإلى جانب ذلك، أُطلقت تطبيقات تفاعلية تقدِّم تعليمات دوائية بلغة الإشارة. وتشير عديد من الدراسات إلى أن استخدام التقنيات الحديثة؛ مثل تطبيقات الترجمة الفورية أو المترجمين الرقميين للغات الإشارة، يُعدُّ من الوسائل الفعَّالة لسد الفجوات الكبيرة في التواصل بين الممارس الصحي والأشخاص ذوي الإعاقة السمعية
ويأتي كل ما سبق في سياق نقطة جوهرية، وهي حاجة الممارس الصحي إلى التحلِّي بالصبر وتخصيص وقت إضافي لمرضى الصمِّ والبكم. فقد يكون من المؤلم جدًا للمريض أن يلمس نفاد صبر مقدم الخدمة الصحية أو سعيه إلى تقصير الزيارة؛ إذ إن ما يبدو تواصلًا سهلاً وبسيطًا بالنسبة للممارس، يتطلَّب من المريض جهدًا مضاعفًا في الأصل
ومن ثم إذا كنت من مقدمي الخدمة الصحية، فحافظ على هدوئك وصبرك، وإذا احتجت إلى تكرار أو إعادة صياغة المعلومات فهذا طبيعي جدًا، وتذكر أن التواصل ركيزة أساسية في تقديم رعاية صحية شاملة وإنسانية
وفي الختام، تؤكد الهيئة السعودية للتخصصات الصحية حرصها على دعم ذوي الإعاقة السمعية، من خلال تمكينهم من الوصول إلى الخدمات والتدريب المناسب. هل لديك تجربة أو مقترح يُثري هذا المجال؟ نرحب بمشاركتك عبر بريد النشرة