وفقًا لدراسة نُشرت في مجلة "العلم والسلوك"، فإن التوافق بين شخصية الفرد ومتطلبات الوظيفة مرتبط بزيادة الرضا الوظيفي؛ إذ يكون الأشخاص الذين تتناسب شخصياتهم مع بيئة عملهم أكثر رضا عن وظائفهم
كما تؤكد دراسة نُشرت عام 2019 في المجلة الأوروبية لعلم نفس العمل والتنظيم، وشملت 637 موظفًا، أن مبادرة الفرد في اختيار وإدارة مسيرته المهنية تؤثر إيجابيًا على مدى إدراكه لتوافق مهاراته مع متطلبات وظيفته بمرور الوقت. وقد أظهرت الدراسة أن انخفاض هذا التوافق يزيد من احتمالية ترك الوظيفة، إذ يسعى الأفراد الذين يشعرون بعدم الانسجام المهني إلى تحسين وضعهم أو البحث عن بدائل أفضل
------------------------
أولاً: حدد نمط شخصيتك
إن التوافق بين شخصيتك والمجال الذي تعمل فيه مهم جدًا لراحتك النفسية ورضاك المهني. وهنا يأتي دور اختبارات الشخصية، التي صُممت لمساعدتك على اكتشاف جوانب شخصيتك وتحديد نوع التخصص الصحي الأقرب لك
استخدام هذه الاختبارات لا يمنحك "الجواب النهائي"، لكنه يوفر لك خريطة أولية تساعدك على التفكير بعمق واتخاذ قرار أكثر وعيًا بنفسك
ومن أبرز الاختبارات هو اختبار هولاند، واختبار بيغ فايف، واختبار مايرز بريغز، واختبار سترينغث فايندر
وقد وجدنا أن أكثر الأبحاث في مجال التوافق بين نمط الشخصية والتخصص الصحي قد ركزت على اختبار هولاند، لذلك سنركز حديثنا في هذا المقال على مناقشته
------------------------
اختبار هولاند: المهنة الصحية التي لا تُرهقك... بل تُشبهك
تفترض نظرية هولاند أن الأشخاص ينجذبون إلى بيئات عمل تتوافق مع أنماطهم الشخصية، وأن التوافق بين الشخصية والبيئة المهنية يؤدي إلى رضا وظيفي أعلى، واستقرار مهني أكبر، وأداء أفضل
تتنوَّع الأنماط الشخصية وفق هذا النموذج، حيث يرتبط كل نمط بميول مهنية محددة في القطاع الصحي، وقد أظهرت الأبحاث توافقًا لافتًا بين بعض الأنماط وتخصصات معينة. فالنمط التحليلي (التحقيقي) يميل إلى تخصصات مثل الأشعة، التحاليل المخبرية، الطب الجزيئي والجيني، والبحث الطبي، كما ورد في دراسة منشورة في "المجلة التفاعلية للبحوث الطبية". أما النمط الاجتماعي، فيُظهر ميلاً واضحًا نحو التخصصات التي تعتمد على التفاعل البشري مثل طب الأسرة، التمريض، والتأهيل، بحسب دراسة منشورة في "مجلة أنقرة الطبية". في حين يتجه النمط القيادي إلى مجالات الإدارة الصحية وقيادة الفرق وصناعة السياسات، كما أوضح بحث منشور في "المجلة الدولية للعلوم والأبحاث". ويبرز النمط الإبداعي في مجالات البحث والتطوير، لا سيما في الابتكار التقني وتطوير الأجهزة الصحية. أما النمط العملي التطبيقي، فيُفضِّل التخصصات التي تتطلب تدخلًا مباشرًا مثل الجراحة، التمريض، والعلاج الطبيعي. وأخيرًا، يتجه أصحاب النمط التأملي الفلسفي إلى التخصصات ذات البعد النفسي والإنساني، مثل الطب النفسي، الرعاية التلطيفية، والاستشارات الأخلاقية
----------------
ثانيًا: ابدأ بتقييم الكفاءات الخاصة بك
يُعد التقييم القائم على الكفاءات منهجًا منظمًا يُستخدم لقياس معارف الفرد ومهاراته وسلوكياته ومواقفه التي تمكِّنه من الأداء الفعَّال في وظيفة معينة، وهو أسلوب حاسم عند اختيار المسار المهني في القطاع الصحي. فعلى عكس الاختبارات التي تركز فقط على الاهتمامات الأكاديمية أو أنماط الشخصية، يركِّز هذا التقييم على الكفاءات الفعلية التي تتوافق مع متطلبات المهن الصحية المختلفة. ويُدرك في هذا السياق أن النجاح في المجال الصحي لا يُقاس بالمعرفة النظرية فقط، بل بالقدرة على تطبيقها في بيئات مهنية معقدة وضاغطة عاطفيًا وزمنيًا
وقد طُوِّرت عدة أطر مرجعية لتقييم هذه الكفاءات في مختلف التخصصات، من أبرزها إطار كفاءات رابطة كليات الطب الأمريكية الأساسية المستخدم في القبولات الطبية في الولايات المتحدة، والنموذج العالمي للكفاءات التابع لمنظمة الصحة العالمية
التقييم القائم على الكفاءات هو أداة فعالة للأفراد الساعين إلى اتخاذ قرار مهني واعٍ في المجال الصحي. فهو يجيب عن سؤال عميق: ما الذي يمكن فعله بإتقان تحت الضغط؟، يمكن أن يؤدي ذلك إلى مسيرة مهنية أكثر رضًا وثباتًا ونجاحًا
-------------------
كلمة أخيرة
معظم الطلبة يمكن أن يجدوا أنفسهم في أكثر من تخصص، والمثالية المفرطة في البحث عن "التخصص المثالي الوحيد" غير واقعية. لكن من الأفضل أن نوجه الطلاب لاكتشاف كيف يمكن لشخصياتهم أن تُعبِّر عن ذاتها عبر أكثر من تخصص
إن اختبارات الشخصية ليست أدوات حتمية، بل وسائل تفاعلية تتأثر بالتجربة، والسياق، والتكوين النفسي