ما العلاج بالفن؟
يُشير مصطلح العلاج بالفن إلى نهج علاجي يُشجّع المرضى على التعبير عن مشاعرهم من خلال تقنيات فنية مختلفة، مثل: الرسم، والتلوين، والتصوير، والنحت، والموسيقى، والكتابة، مما يساعد في تعزيز صحتهم النفسية واكتشاف تجاربهم الداخلية. وقد لاقت فكرة العلاج بالفن قبولًا واسعًا بين مقدّمي الرعاية الصحية، بعدما لاحظوا في أربعينيات القرن الماضي أن المصابين بأمراض نفسية يميلون إلى التعبير عن أنفسهم من خلال الفن
----------------
كيف بدأت القصة؟
بدأ التحوُّل الحقيقي عندما لاحظ عالم النفس "كارل يونغ" أن مرضاه يرسمون رموزًا متشابهة دون أن يعرفوا معناها. واكتشف حينها أن الفن يُمثِّل لغة أخرى يمكن الاستفادة منها للحصول على معلومات إضافية من المرضى الذين لا يستطيعون التعبير عن مشكلاتهم بالكلمات. فتلك الخطوط التي قد تبدو عشوائية، قد تكون في الحقيقة قصصًا عن صدمات مدفونة، أو أحلامًا لم تُحكَ من قبل
وفي أربعينيات القرن الماضي، وبينما كان العالم يلتقط أنفاسه بعد الحرب العالمية الثانية، لاحظ الأطباء أمرًا مدهشًا: الجنود الذين شاركوا في جلسات الرسم بدأوا ينامون دون كوابيس، والنساء اللواتي فقدن أطفالهن وجدن في النحت وسيلة لتفريغ أحزانهن. لم يكن ذلك سحرًا، بل علمًا ناشئًا أُطلق عليه لاحقًا اسم العلاج بالفن. أما اليوم، فقد تحوّلت تلك الملاحظات إلى منهج علمي، مدعوم بدراسات موثقة، وكليات تُمنح فيها شهادات أكاديمية في هذا المجال
ففي العصر الحديث، لم تعد رسومات المرضى مجرد لوحات عابرة، بل أصبحت تحمل دلالات تشخيصية دقيقة: فالاستخدام الكثيف للّون الأسود قد يُشير إلى الاكتئاب، وتكرار الأشكال قد يكون علامة على القلق، وحتى طريقة مسك الفرشاة قد تكشف عن اضطرابات في الحركة. ولهذا، اعترفت منظمة الصحة العالمية بالفن كأحد أدوات العلاج الفعَّالة
-------------
هل للعلاج بالفن قاعدة علمية متينة؟: دراسات حول الموضوع
أظهرت دراسة نُشرت في مجلة آفاق علم النفس أن ممارسة الرسم، حتى بأبسط أشكاله، تُنشِّط عدة مناطق في الدماغ في الوقت نفسه، مثل: المهارات الحركية الدقيقة عند مسك الفرشاة، والتخطيط البصري عند اختيار الألوان، والذاكرة عند استحضار الصور. ويُسهم هذا النشاط المتكامل في تحفيز ما يُعرف بالمرونة العصبية، وهي قدرة الدماغ على إعادة توصيل نفسه بعد التضرر. ففي حالات السكتة الدماغية، حيث تموت الخلايا العصبية وتفقد الوصلات فيما بينها، يمكن للرسم أن يُعيد تنشيط هذه الشبكات العصبية
وفي دراسة مختلفة نُشرت في مجلة الفنون في العلاج النفسي، طُلب من أشخاص لا يمتلكون مهارات فنية أن يرسموا، بينما خضعت أدمغتهم للمسح باستخدام تقنية التحليل بطيف الأشعة. وأظهرت النتائج زيادة في تدفّق الدم إلى القشرة الأمامية الوسطى، وهي جزء من نظام المكافأة في الدماغ. كما تم رصد إفراز مادة الدوبامين، وهي نفسها التي تُفرز عند الشعور بالمتعة، كتناول الطعام. اللافت أن هذا التأثير الإيجابي حدث بغضّ النظر عن جودة الرسم، ما يعني أن الدماغ يكافئك على المحاولة الإبداعية بحد ذاتها، لا على النتيجة النهائية للعمل الفني
----------------
ماذا يفعل الفن دماغنا بالتحديد؟
يُحدث الفن تغييرات حقيقية في الدماغ، ويُنشّط قدرته على التكيّف والنمو من خلال تحفيز المرونة العصبية، إذ تتكوّن نقاط تشابك جديدة بين الخلايا العصبية وتنمو التشعُّبات العصبية، مما يُعزز من وظائف التعلُّم والذاكرة. كما يُنشِّط الفن مناطق متعددة في الدماغ، مثل القشرة الجبهية، والخلايا العصبية في المناطق الحسية والحركية، ويساهم في تنشيط المشاعر، والخيال، والقدرة على اتخاذ القرار، والتعبير الذاتي. ويحدث ذلك جزئيًا عبر زيادة إفراز مواد مثل الدوبامين والإندورفين، مما يؤدي إلى تقليل التوتر وتحسين المزاج
----------------
هل هناك شهادات أكاديمية أستطيع الحصول عليها لأصبح معالجًا بالفن؟
يُعد برنامج الماجستير في العلاج بالفن من البرامج المتوافرة في عديد من الجامعات حول العالم. ويهدف إلى تدريب معالجين بالفن مؤهلين ومعتمدين، يستخدمون المواد الفنية لمساعدة الأفراد على التعامل مع مشكلاتهم. ويرتكز البرنامج على أسس طبية ونفسية، ويُركِّز على التعلم العملي والتجريبي من خلال ممارسة الفن بهدف تعزيز التعبير الذاتي، والتأمل، والفهم، وإحداث تغيير داخلي لدى الأفراد الذين يواجهون ضغوطًا، أو صدمات، أو تحديات جسدية، نفسية، أو اجتماعية. ومن أبرز هذه البرامج، برنامج الماجستير في العلاج بالفن في سنغافورة
-------------------
التجربة السعودية في استخدام الفن في العلاج
للمملكة تجربة طويلة في مجال العلاج بالفن، حيث تتوفر العديد من المراكز المتخصصة والمستشفيات الحكومية التي تضم وحدات للعلاج بالفن ضمن أقسام إعادة التأهيل الشامل، ومن أبرز هذه الجهات مدينة الملك فهد الطبية في الرياض، التي تقدم خدماتها للأطفال وذوي الإعاقة، بهدف تمكينهم من التعبير عن أنفسهم من خلال جلسات يشرف عليها معالجون مؤهلون ومدربون سريريًا
-------------------
تجربة مايوكلينيك في استخدام الفن لتحسين الرعاية الطبية
تُسهم الصور واللوحات الفنية للطبيعة في المستشفيات ودور الرعاية في دعم الصحة النفسية للمرضى، وتقليل مستويات القلق قبل العمليات الجراحية وبعدها، مما ينعكس إيجابًا على النتائج الصحية العامة؛ ولهذا السبب، قامت بعض المستشفيات، مثل مايو كلينيك، بتحويل أروقتها وحدائقها إلى مساحات تزخر باللوحات والمنحوتات الفنية. بل أنشأت مركزًا للعلوم الإنسانية في الطب، يدمج الفنون وأشكال التعبير الثقافي الإنساني في بيئة العلاج، كما هو الحال في مركز مينيسوتا في الولايات المتحدة الأمريكية
-------------------
ختامًا
أصبح العلاج بالفن أداة فعالة تجمع بين التعبير والإبداع لتعزيز الشفاء النفسي. ومع الاعتراف المتزايد به علميًا، تتأكد قيمته كوسيلة مساندة في الرعاية الصحية، ما يستدعي توسيع نطاق تطبيقه وتأهيل مختصين لدعمه ضمن المنظومة العلاجية