سافرت
البريطانية فلورنس نايتنجيل - مؤسسة علم التمريض - إلى تركيا لتحسين الظروف المتردية في
مستشفى الجيش الإنجليزي، حيث كان المستشفى مزدحمًا ويخلو من النظافة، ومن خلال مجموعة من
المبادرات التي تتعلق بالنظافة والصرف الصحي والتهوية والتغذية انخفضت الوَفيات في الجيش من
٤٢٪ إلى ٢٪، وعندما عادت إلى بريطانيا، عُوملت كبطلة قومية، وحظيت بلقب السيدة ذات
المصباح
ما
كان يميز
فلورنس هو إتقانها لعلم الإحصاء،
وقدرتها على السرد القصصي للبيانات، حيث دمجت الاثنين في تقديم رؤيتها لأسباب وفاة الجنود في
السلم أكثر من وفاتهم في الحرب، لقد مات الجنود في الثكنات بسبب الأمراض المعدية أكثر بعشر
مرات من جراء إصابات المعارك
ولمساعدة
الكثير في فهم البيانات، حاكت قصة مؤثرة عبر سلسلة من تصاميم الإنفوجرافيك، بما في ذلك رسم
بياني شهير يسمى المخطط القطبي الذي كان يوضح أسباب وفاة الجنود، ويُعطي للأرقام القصة
والمعنى والتعاطف المؤثر، اقتحم أسلوبها العقول والقلوب، فأقنعت الجميع وأنقذت حياة الآلاف،
لقد كانت أول من استخدم البيانات الطبية لإقناع الناس بالحاجة إلى التغيير، فكانت راوية قصص
بارعة
إن
الإنسان كائن يتأثر بالقصص، فالحكايات متأصلة في حياة الإنسان لآلاف السنين، والسرد القصصي
جزء لا يتجزأ من طبيعتنا البشرية، لقد كان الأجداد يجتمعون حول النار لسرد حكايات لا تنتهي،
يكون هدفها المتعة والفائدة وزرع القيمة أو التوثيق التاريخي
يُعد
فن السرد القصصي عنصرًا حاسمًا في الممارسة الطبية؛ فنجاح تطبيق أفكارك في القطاع الصحي يعتمد
إلى حد كبير على قدرتك على الإقناع، وعرض الأفكار، وسرد قصة مؤثرة تأسر الألباب
وبوصفنا
عاملين في المجال الصحي، نستخدم القصة بشكل يومي، سواءً مع المريض صاحب القصة الأولى أم مع
الزملاء، كما تعتمد المؤسسات الصحية على هذه التقنية للإقناع والتوجيه والإلهام
يهدف
هذا المقال إلى استعراض هذه الجوانب وتسليط الضوء على أهمية السرد القصصي، مع تقديم نصائح
لتطوير هذه المهارة لمن يسعى إلى تحسين قدراته في هذا المجال
--------------------------------
المريض:
صاحب القصة الأولى
لكل
مريض قصته الخاصة، التي يحملها معه للعيادة، يحكي المريض القصة عبر وضع ما حدث له من أعراض
ضمن سياق، ويحاول تكوين سياق منطقي لما حدث له على شكل قصة، ويحاول الطبيب فك الشفرة، وتوثيق
قصة المريض تحت خانة تاريخه الطبي، وهنا يأتي الاستخدام الأول لفن السرد القصصي
يٌساعد
السرد القصصي في إضفاء المشاعر على الأعراض وحالة المريض العامة، وبحسب عشرات الأبحاث
المنشورة في تخصص الطب السردي، وهو بالمناسبة تخصص واسع، فإن الجانب القصصي قد غاب عن
الممارسة الطبية الحديثة، وأثر بشكل سلبي في العلاقة بين الممارس الصحي والمريض، حيث أصبح
التعامل مع المرض كحقائق واستنتاجات، واستبعاد الجانب العاطفي من القصة؛ مما أثر في جودة
الرعاية المقدمة، ولتقريب الفكرة في الأذهان سنضرب مثالين، مثال للتاريخ الطبي للمريض بدون
السرد القصصي، ثم مع السرد القصصي وتأمل الفرق
التاريخ
الطبي للمريض بدون السرد القصصي
سعود، رجل سعودي يبلغ من العمر ٥٠ عامًا، لديه تاريخ طبي خالٍ من الأمراض المزمنة؛ بدأ يعاني
منذ ستة أشهر من آلام متقطعة في البطن، مع خمول ونقص في الوزن والشهية
التاريخ
الطبي للمريض مع السرد القصصي
سعود،
رجل سعودي يبلغ من العمر ٥٠ عامًا، كان يعيش حياة طبيعية مع عائلته في مدينة الطائف. طوال
حياته، لم يعانِ من مشاكل صحية كبيرة، حتى بدأ يشعر منذ حوالي ستة أشهر بألم متقطع في البطن
وخمول مستمر. في البداية، اعتقد أن الأمر يتعلق بالإجهاد اليومي وحرارة الطقس العالية، ولكنه
لاحظ أن الأعراض بدأت تتفاقم، وأن نقص الوزن المفاجئ وعدم الرغبة في تناول الطعام لم يكن
أمرًا عابرًا
مع
أي الحالتين ستتعاطف؟
هنا
تكمن أهمية استخدام فن السرد القصصي في خلق مشاعر وأحاسيس وتعاطف وعناية أفضل للمريض، إنه
إضفاء للجانب الإنساني؛ وكدليل علمي، فقد نشرت المجلة الدولية للبحوث البيئية والصحة العامة
بحثًا سنة ٢٠٢٠م، كان مفاده مقارنة مجموعتين من الطلبة في 4 مقاييس لدراسة قدراتهم على
التعاطف، والتواصل، والتفكير التأملي والسرد القصصي التحليلي، وأسفرت نتائج هذه التجربة عن أن
المجموعة التي تلقت تدريبًا في السرد القصصي كانت قدراتها على التعاطف والتواصل
أعلى
--------------------------------
ثانيًا:
استخدام القصة للتأثير على المريض
بعد
اكتشاف المرض، يحاول الطبيب شرح طبيعة المرض والتفاصيل الطبية للمريض، وهنا يأتي الاستخدام
الثاني لفن السرد القصصي عبر تحويل الخطة العلاجية إلى قصة يفهمها المريض، وتلقى الاستيعاب
الكامل منه، وسنضرب مثالين
الطبيب
للمريض بدون السرد القصصي
عزيزي
سعود، تحليل الدم يُظهر أن لديك ارتفاعًا في مستوى الكوليسترول، وتظهر علامات أولية لمقاومة
الأنسولين، مما يعني أنك معرض للإصابة بالسكري من النوع الثاني، وعليك اتباع نظام غذائي منخفض
الدهون والكربوهيدرات، وعليك كذلك ممارسة الرياضة لتقليل المخاطر الصحية، أتمنى الالتزام بهذه
الخطة، وسنقوم بإعادة فحصك بعد ثلاثة أشهر لمتابعة التقدم
الطبيب
للمريض مع استخدام فن السرد القصصي
عزيزي
سعود، سأخبرك بقصة قصيرة لمريض قابلته منذ سنوات، ولديه حالتك نفسها من الإرهاق، كان لديه
ارتفاع في الكوليسترول، ويواجه جسمه مشكلات مع السكر، تمامًا مثل حالتك، أخذ المريض الأمر على
محمل الجد، وبدأ باتباع نظام غذائي صحي، وزيادة نشاطه البدني، مما أدى إلى تحسن كبير في
حالته، إن الأرقام تشير إلى أنك في المراحل الأولى، ويمكن التحكم بها الآن إذا بدأنا خطة
علاجية مناسبة، وتقيك من مضاعفات المرض لا سمح الله
ما
رأيك الآن ؟
أيهما
أكثر تأثيرًا؟
إن
استخدام السرد القصصي يضع الحالة ضمن السياق الإنساني، ويساعد المريض على رؤية نفسه في القصة،
والشعور بالتشجيع والالتزام، وهنا مربط الفرس، فللقصة تأثير ساحر
--------------------------------
ثالثًا:
الممارس يستخدم السرد القصصي للعروض التقديمية
يستخدم
الأشخاص في عروض
تيد فن السرد القصصي
في ٧٠ في المئة من الحالات، حيث يقدمون عروضًا تشد الجمهور بطريقة تحدث فرقًا، أي تحويل
المعقد من البيانات إلى الشكل القصصي، لجلب استمتاع الجمهور بالعرض، وإحداث تغيير إيجابي من
خلال المعلومات والبيانات
بالإمكان
استخدام الأسلوب ذاته في العروض اليومية للمعلومات الطبية للزملاء في المستشفى؛ حيث إنّ للقصة
دورًا كبيرًا في تبسيط المفاهيم، وجعلها أكثر واقعية واستيعابًا، إنها مهارة لا غنى عنها
للممارس الصحي، ومن الأفضل لك أن تتمتع بتلك الميزة، ونظرًا لضيق المساحة نقترح قراءة كتاب:
السرد القصصي الفعال وهو كتاب مترجم من معهد الإدارة العامة وتأليف برنت دايكس
--------------------------------
رابعًا:
استخدام السرد القصصي في الأبحاث العلمية الطبية
لقد
استخدمت مؤسسة علم التمريض فلورنس نايتنجيل القصة ودمجتها في علم الإحصاء كما ذكرنا سابقًا،
وأقنعت الجميع بأبحاثها واستنتاجاتها الخلاقة، واستخدم الطبيب سنو
مؤسس علم الأوبئة
الحديث القصة لسرد قصة الكوليرا في لندن، وقدم رؤيته لطريقة جديدة لانتقال الكوليرا عبر
المياه، وليس عبر الهواء -كما كان يُعتقد سابقًا- وكانت سرديته مقنعة في البحث العلمي
المنشور
--------------------------------
خامسًا:
قادة الصحة واستخدام السرد القصصي في الرسائل المؤسسية
يبرز
استخدام فن السرد القصصي في المؤسسات الصحية كأداة فاعلة لتوصيل الرسائل التواصلية للجمهور
الخارجي وكذلك للموظفين
على
سبيل المثال، استخدم مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث السرد القصصي في
فيديو خاص باليوم الوطني السعودي،
وتميزت القصة بجاذبيتها، مما ترك أثرًا إيجابيًا على المتلقي
في
هذا السياق، تصبح القصة وسيلة لجذب انتباه الناس ونقل المعرفة وإشعال الخيال
أما
على الجانب الداخلي، يستخدم فن السرد القصصي للتواصل مع الموظفين، فقد استحدثت بعض الشركات
مسمى وظيفيًا باسم مدير السرد القصصي، وهو شخص مكلف على إعادة صياغة رؤية الشركة في قالب قصصي
ذي مغزى للموظفين بطريقة عميقة ومفهومة
إن
فن السرد القصصي مهم للقادة لإشراك الموظفين بأية استراتيجية ورؤية جديدة أو تحول كبير،
ويساعد ذلك على تذكرها لأمد طويل، إن التواصل الفعال يحول رؤية المؤسسة إلى إجراءات واستجابة
وتفاعل وإلهام يدفع الموظف للعمل، كما تساعد السردية على تقليل مقاومة الأفكار
الجديدة
--------------------------------
في
الختام: كيف أكون صاحب سرد قصصي ممتع ومقنع؟
تاريخيا،
دخل مصطلح "الطب السردي" في الأدبيات الأكاديمية في أوائل التسعينيات، ونُشرت على إثره بعض
المؤلفات، إلى أن أسست الدكتورة ريتا شارون سنة 2000 برنامجا تدريبيًا للطب السردي في جامعة
كولومبيا، وهناك عديد من الكتب في هذا الشأن سنضعها في خانة المصادر للاستزادة
يهدف
تسليط الضوء على فن السرد القصصي إلى الارتقاء بالممارسة الطبية، حيث تساهم اللغة السردية في
تعزيز التواصل والتعاطف بين الممارسين الصحيين والمرضى، مما يتيح فهمًا أعمق للبيانات
والأرقام ويعزز تجربة المريض، كما تساعد القصص في تحويل الأفكار المعقدة إلى رسائل أكثر
إقناعًا وتأثيرًا في المتلقي