بداية القصة
اضطر والد فتاة للتنقل إلى عدد من المستشفيات للحصول على رعاية جيدة لابنته. فيما بعد، تواصل والد الفتاة مع عالم الإدارة مايكل بورتر وشرح له معاناته مع القطاع الصحي الأمريكي والصعوبات التي واجهها والتجربة السيئة التي حظي بها
بعد المكالمة، طرح بورتر على نفسه سؤالاً اضطره للبحث والتنقيب عن الإجابة عشرين سنة: لماذا يعاني القطاع الصحي من سوء الخدمة بعد كل هذه النفقات الضخمة؟
هل نحن نصرف أموالنا بطريقة غير حكيمة وبهدر لا مبالي؟
وهل سيتحسن الوضع لو عرفنا أماكن الهدر في القطاع الصحي؟
نظرة أولية
لو سألنا سؤالاً عامًا عن القطاع الصحي لوجدنا أن الجميع غير راض، لا يوجد أحد راض في القطاع الصحي على الرغم من حجم الإنفاق الضخم على القطاع، فالمريض غير راض فهو يتلقى رعاية أقل من المأمول، والعاملين في القطاع الصحي غير راضين عن بيئات العمل المرهقة، وشركات الأدوية غير راضية لأنها متهمة بأنها سبب في ارتفاع تكاليف العلاج، والدول تعاني من تضخم النفقات وصعوبة الإستدامة
اضطر بورتر إلى دراسة كل ذلك لمدة عشرين سنة، واخرج لنا مجموعة من الأفكار الخلاقة حول الموضوع ومنها مصطلح الصحة الحكيمة ونشره في كتاب نال جائزة كتاب العام في ٢٠٠٦م تحت عنوان: إعادة تعريف النظام الصحي، نحو نظام صحي موجه نحو المريض، ونشر بعدها مجموعة من الأبحاث حول الموضوع
مشكلة القطاع الصحي حول العالم
يُحاجج بورتر بأن القطاع الصحي يعاني الكثير وأنّ ٣٠٪ من الميزانية هي نفقات مهدرة لأسباب كثيرة
أولاً: يُسيطر عدم وضوح الرؤية على القطاع بالمجمل. إن القطاع يعاني كثرة الأهداف وليست لديه أولوية واحدة يركز عليها. إنّ المستشفيات -على سبيل المثال - تركز على عدة أهداف في نفس الوقت مثل الجودة وتقليل النفقات ورضا المريض والملائمة والربحية، وتكون هذه الأهداف متضاربة في بعض الأحيان، والبديل عن كل ذلك هو التركيز على هدف واحد، أي أن القطاع الصحي يعاني من غياب هدف وحيد مهم
وهنا ندخل للمشكلة الثانية التي يعانيها القطاع الصحي وهو عدم قدرته على حساب التكلفة الفعلية بشكل صحيح، فكيف نقوم بخفض تكاليف القطاع إذا لم نكن نحسب التكلفة الفعلية بدقة؟، لقد تفاجئ بورتر بأن المستشفيات تقيس تكاليفها بناءً على تكلفة الأقسام الطبية وليس بناءً على المريض، وأضاف بورتر أن توزيع التكاليف في المستشفى غير صحيح ويحمل الكثير من التحيزات حول مقدار التكلفة الفعلية، وأن في ذلك هدر ضخم في الموارد
أما المشكلة الثالثة في القطاع فهي أن المستشفيات تقيس الأرقام سهلة القياس وتهمل الأرقام التي تعطي الأهمية القصوى للنتائج التي يستفيد منها المريض، ويجب على النظام الصحي الجديد أن ينحو منحى آخر، وهو التركيز على مؤشرات الأداء التي تضيف قيمة للمريض وحساب تكلفتها
شرح للفكرة
إن الصحة الحكيمة والمبنية على القيمة هي تحول القطاع الصحي من قطاع مبني على حجم الخدمات المقدمة إلى قطاع مبني على القيمة المقدمة للمريض، ومن قطاع قائم على الدفع لقاء الخدمة إلى قطاع قائم على الدفع مقابل النتيجة، وهنا ملف كامل باللغة العربية لشرح المفهوم بالتفصيل، ويمكن اختصارها بأنها تقديم رعاية فعالة من حيث التكلفة
أمثلة لتقريب الفكرة
تعمل وزارة الصحة السعودية حاليًا على برنامج العقود الإبتكارية هو أحد برامج النموذج الجديد للصحة المبنية على القيمة، وبدأت تطبيق ذلك على ١٨ دواء حاليًا وفي طور التوسع. في العادة، يتم الدفع لشركات الأدوية لقاء الكميات الموردة للوزارة، إلا أن الوزارة قد استبدلت ذلك بطريقة أكثر حكمة في الدفع
ستكون الطريقة الجديدة هي ربط عملية الدفع بالنتيجة السريرية للدواء، أي الدفع مقابل القيمة المقدمة للمريض، أي أن شركة الدواء ستشارك نسبة في المخاطرة مع الوزارة، وهنا فيديو يشرح الفكرة بشكل أفضل
إنه نهج حكيم للتفكير في الاستخدام الأمثل للموارد واستخدام الموارد لتحسين القيمة المقدمة للمريض، أي الدفع لما هو ذو قيمة وعدم هدر المال في أمور يثبت الوقت والقياس عدم جدواها
وبالامكان تطبيق ذلك على أي دواء أو جهاز جديد يدخل المستشفى أو تقنية حديثة
الفائدة للجميع
الجميع سيكون رابح من هذا النهج الجديد، سيتطور القطاع ويتلقى المريض الرعاية المأمولة، والقطاع الصحي سيكون رابحًا بزيادة الكفاءة والتغلب على تضخم النفقات، والشركات الطبية ستكون رابحة بتحفيزها على تطوير المنتجات والخدمات التي تضيف القيمة للمريض
أين وصل العالم في هذا المجال
بالإمكان الاطلاع على عدد من مشاريع النظام الصحي الأمريكي في هذا المجال، وهناك بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا
أين وصلت المملكة
وصل النظام الصحي للملكة إلى المعايير العالمية في التسعينات، ولكن رؤية المملكة ٢٠٣٠ وبرنامج التحول الصحي قد فتح الآفاق لمزيد من التطوير وبناء نموذج صحي مستقبلي مبني على الصحة الحكيمة لتحسين النتائج المقدمة للمريض وبكفاءة استثنائية
إن إنشاء مركز الصحة الحكيمة عام ٢٠٢٠م خلال ترأس المملكة لمجموعة العشرين لهو تطور ملحوظ فهو مسرعة أعمال نحو الهدف ولديه العديد من المبادرات في هذا المجال بالإمكان الاطلاع عليها في الموقع، حيث يعمل على توفير بيئة حاضنة لهذا التوجه وهي الممارسة الصحية المبنية على الكفاءة والاستخدام الأمثل للموارد وهي بوصلة القطاع لتوفير رعاية صحية حكيمة ولشراء خدمات ذات كفاءة وجودة لتعزيز الصحة وتحقيق الاستدامة المالية
ومن المبادرات كذلك في المملكة هو إنشاء قسم تقييم التكنولوجيا الصحية داخل وزارة الصحة وكذلك مبادرة العقود الابتكارية مع شركات الأدوية والتي تحمل فلسفة الدفع مقابل الأداء