أوضح تقرير صادر عن مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتّحدة الأمريكية، نُشر سنة 2023
م، تراجعًا ملحوظًا في القدرات الإنتاجية للممارس الصحّي؛ فقد بلغت القدرة الإنتاجية 82٪ في سنة 2022 م، مقارنة بنسبة 92٪ في سنة 2018 م
وأشار التقرير إلى زيادة تعرّض الممارسين الصحّيين للاحتراق الوظيفي بنسبة 70٪ بعد الجائحة، ممّا أدى إلى
ما يمكن وصفه بموسم الهجرة من الوظائف الصحّية إلى وظائف أقلّ ضغطًا. كما دعمت عدّة دراسات هذه الأرقام في أكثر من دولة
ونتيجة لذلك، لقي موضوع الصحّة النفسية للممارس الصحّي اهتمامًا متزايدًا من قبل القيادات الصحّية حول العالم،
بما في ذلك المملكة، نظرًا إلى تأثيراته المباشرة في الممارسين وأدائهم في العمل؛ ممّا يؤدّي إلى زيادة الأخطاء الطبّية ونقص الشعور بالانتماء للمستشفى وارتفاع معدّلات الغياب
ما تعريف الصحة النفسية للممارس الصحي؟
هي حالة من العافية التي يصل إليها الممارس عندما يحقّق قدراته الذاتية، ويتمكّن من التكيّف مع ضغوط العمل
في القطاع الصحّي، ويكون قادرًا على العمل بإيجابية وإنتاجية مثلى بما يتناسب مع مهامّه الوظيفية
هل هناك مبادرات وطنية في هذا الخصوص؟
أطلقت الهيئة السعودية للتخصّصات الصحّية منصّة «داعم»، التي يمكن الدخول إليها
من
هنا
، وهدفها دعم الممارس والمتدرب الصحي نفسيًا من قبل متخصصين وبكل سرية
كما أُطلِقَت عدّة مبادرات من عدة جهات مختلفة، من بينها مبادرة "تعزيز الصحّة النفسية في بيئة العمل في
المملكة"، وهي تهدف إلى ضمان الصحّة النفسية والجسدية للممارس الصحّي
ومن ضمن هذه المبادرات الدليلُ الإرشادي للصحّة النفسية الذي أصدره المركز الوطني لتعزيز الصحّة النفسية
بالتعاون مع هيئة الصحّة العامّة في أكتوبر 2022 م وبالامكان تحميله
من
هنا
أمّا المملكة فبفضل المركز الوطني لتعزيز الصحّة النفسية، فقد ركّزت على تسهيل تقديم الدعم والمساندة بطرائق
شتّى، كمنصّة الدعم النفسي الرقمي، التي تقدّم خدمات نفسية عن بعد وبسرّية تامّة، وتضمّ حوالي 33 متخصّصًا في الصحّة النفسية، في محاولة لاحتواء المتعرّضين للمشاكل النفسية المختلفة ومساعدتهم
بالإضافة إلى برنامج إدارة الضغط والإجهاد، الذي يعمل على نشر ثقافة إدارة الضغوط؛ كما يوفّر تدريبات لأفراد
المجتمع على التعامل مع الضغوط وغيرها
ومن الجدير بالذكر أنّ بعض المستشفيات قدّمت نموذجًا للرعاية الصحّية على شكل عيادة متخصّصة اسمها: عيادة
جودة الحياة الوظيفية، وهي تقدّم خدماتها لكلّ منتسبي المستشفى بهدف مساعدتهم على تجاوز المشكلات التي يواجهونها داخل مكان العمل، ومساندتهم بالدعم النفسي والتدريبات اللازمة
ما مصادر الضغوط الحديثة على الممارس الصحي؟
الجائحة
:
أبرزت الجائحة الأوضاعَ التي كانت مُغْفلة في المناقشات على مدى سنوات، ونتيجة للجائحة، أصبح واضحًا أنّ الاهتمام بالمشكلات النفسية كان غائبًا، بوصفها جزءًا لا يتجزّأ من الوظيفة، مع توقّع أن يُضطر الممارس الصحّي لتقبّل الوضع كما هو. وبالإضافة إلى ذلك، لوحظ عزوف
من قِبل بعض الممارسين الصحّيين عن الاعتراف بمشكلات الصحّة النفسية خوفًا من تأثير ذلك في مستقبلهم الوظيفي
التشتّت التقني الحديث
:
إنّ وجود التقنيات الحديثة، مثل الهواتف المحمولة، قد وضعت الممارس الصحّي في حالة من التشتّت لم يكن قد اعتادها في السابق، حيث نعيش في بيئة مليئة بالمشتِّتات أكثر من أيّ وقت مضى، وقد أدّى ذلك إلى خلق حالة من التوتّر وضعف الإنتاجية وانخفاض في أداء الذاكرة
الذكاء الاصطناعي
:
لقد أصبح جليًّا ما يشكّله الذكاء الاصطناعي من قلق عام بالنسبة إلى جميع الوظائف؛ والعاملون في القطاع الصحّي ليسوا بعيدين عن ذلك؛ حيث تسود حالة من القلق الخفيّ تجاه تأثير الذكاء الاصطناعي في مستقبل الوظائف وتوافرها في القطاع
هل تؤثّر الصحّة النفسية للممارس في تجربة المريض؟
يؤدّي الضغط المستمرّ على الممارس الصحّي في نهاية الأمر إلى ظهور الأعراض النفسية؛ كمشكلات النوم والتعب
والإرهاق المزمن، والمشكلات الجلدية، ومشكلات فرط الأكل، والمشكلات القلبية والأمراض العصبية، بالإضافة إلى تغيّر في الطباع والسلوكيات لاسيّما صعوبة التحكّم في الغضب، وغيرها الكثير، ومن المهمّ إدراك أنّ الحلقة لا تبدأ وتنتهي عند الممارس الصحّي، بل هي حلقة تمسّ
عدّة أطراف مهمّة، وأهمّها متلقّي الرعاية (أي المريض)؛ لذلك فإنّ الاهتمام بالصحّة النفسية للممارس الصحّي، للتأكّد من عدم تفاقم الوضع، يُعدّ ضرورة من الضرورات، حيث تنعكس عواقبُه على المريض بدرجة أهمّ، فهو الحلقة الأقوى، وقد أُنشئت من أجله مراكز الرعاية الصحّية
ماهي الإستراتيجيات لتحسين الصحة النفسية؟
توفير مستوى عالٍ من المعاينة والمتابعة النفسية للممارسين الصحّيين
توفير أنشطة تُسهم في الاسترخاء وتجديد الحالة النفسية
المساعدة على حصول الممارس الصحّي على حقوقه الوظيفية بوَصفِها أولوية
ممارسة حقّه في أخذ الإجازات للراحة والابتعاد عن ضغوط العمل
الحصول على المعاملة الكريمة والتقدير لأدائه مهامه بشكل سليم
نشر ثقافة الصحّة النفسية في أماكن العمل
من الضروري فهم أنّ الصحّة النفسية للممارس الصحّي ليست مجرد مسألة شخصية، بل تشكّل أحد أعمدة النظام الصحّي
الفعّال؛ فتقديم برامج عالية الجودة داخل مؤسّسات الرعاية الصحّية يمكن أن يُسهم بشكل كبير في تفادي المخاطر الوظيفية الخطيرة، كما يُسهم في تحقيق نتائج أفضل للمرضى والأفراد المحتاجين إلى الرعاية